لن يخرُج اليوم قلمي عن عادته .. فعادته جرت أن لا يكتب إلا ما يشغل بال صاحبه .. وبالي اليوم مشغول بموقف حدث من مدة ليست بالبعيدة :
لم تمضي سوى لحظات على جلوسي على كرسي الحلاقة قبل أن تدخل بنت لا يتجاوز عمرها 12سنة برفقة شقيقهــا الذي لايتجاوز7سنوات ، والذي أتضح لي من الوهلة الأولى أنه مريض عقلياً .. بينما بقيت والدتهم في الخارج بانتظارهم .
جلس الطفل على الكرسي المجاور لي .. بينما وقفت أخته بجانبه بهدف تثبيته خلال الحلاقة .
لحظات إذا بدخول رجل ( إن صحة التسمية ) ، اتضح لي من الوهلة الأولى أنه لم يدخل للحلاقـة .
دخل دون أن يكلف نفسه إلقاء تحية الإسلام !!
توجه للكرسي المجاور لي والذي يجلس عليه ذاك الطفل المريض بجوار أخته ..
فسأل الحلاق بصوت مرتفع : ( وش تسوي هالبنت داخل الحلاق ؟ (
أجابه الحلاق : ( الولد تعبان وهي بتمسكه من شان الحلاقة ، و مامتهم عند الباب ) .
رد الرجل بأسلوب تهديد : يصير خير .. ثم خرج .
أستكمل الحلاق حلاقة الطفل ... وبعدها غادر الطفل وأخته الحلاق برفقة أمهم المنتظرة خارجاً .
بعدها بلحظات إذا بسيارة الهيئة الشهيرة بــ ( جمس الهيئة ) تقف عند باب الحلاق وينزل رجل الأمن منها ويطلب من الحلاق القدوم للشيخ الذي ينتظره بالسيارة .
ذهب الحلاق وتكلم مع الشيخ وعاد بورقـة فيهـا تعهـد بعدم إدخال نســاء للحلاق مرة اخرى !!!
توجه لي الحلاق مباشرة بحكم أني الشخص السعودي الوحيد الموجود في الحلاق .. وبحكم علاقة الصداقة اللي تربطني فيه لأكثر من أربع سنوات .. وقال بالحرف الواحد :
( ليه أنتو السعوديين كذا ؟؟ ليه كل تفكيركم بنت وولد وبس ؟؟ ليه ما تفكرون أن هالأم وهالبنت ما عندهم رجال بالبيت وهم يضطرون يقضون حاجاتهم بنفسهم ؟؟ ليه تفكرون أن كل امرأة تدخل مطعم أو حلاق أو خياط أنها امرأة ما تستحي على وجهها وأنهـــا تسوي نفسها رجال ؟؟ )
( شمــال شرق )
لن أتحدث عن ذاك الرجل الذي تقدم بشكوى على بنت عمرها لا يتجاوز 12 سنة !! بل سأترك لك الحكم عليه .
ولن أتحدث عن ذاك الطفل شافاه الله .. ولا عن تلك البنت .. ولن أتحدث عن رجال الهيئة وموقفهم الغريب !!!
ولا عن ذاك الحلاق التركي الجنسية وإستغرابه أو إستنكاره .
بل سأتحدث عن تلك الأم الواقفة بجوار ذلك الباب بحياء وخجل .
سأتحدث عن تلك المرأة الأنثى والتي هي خير من ألف رجل .
سأتحدث عنها وعن ظلمنـــا كمجتمع متخلف لهــا .
سأتحدث عنهـــا وعن معاملتنا لها بأسم الدين ونحن لا نعلم من الدين إلا أسمه .
سأتحدث عن تلك المرأة التي تعول أطفالها داخل المنزل وخارجه بنفسها .. إما لأنه مات زوجها أو سافر أو سُجن أو أنه لا يبال بها وبأطفالهـــا .
سأتحدث عن تلك المرأة التي أضطرت أن تخالط الرجال بحيائها وخجلها .. من أجل أن تكسو أبنها بذاك الثوب .. أو من أجل أن لا تكسر قلب ابنتها التي ترغب في تذوق وجبة من ذاك المطعم .. أو من أجل أن تقضي مستلزمات منزلها .
سأتحدث عن تلك المرأة التي اختلفنا في تسميتها .. فمنا من سمّاها مُسترجلة ومنا من سمّاها قليلة الحيــااا والأدب ... إلخ
سأتحدث عنهـــا أنا .. كرجل وشاب من مجتمعهــــا ومن بني جلدتها ..
سأتحدث عن نظرتي لهـــا ، وعن ذاك الإحترام الذي أكنه لها .. وعن ذاك الفخر الذي أشعر به عندما أشاهدهـــا .. ذلك الفخر المصحوب بنظرة رحمة لها ولحالهـــــــا .
نظرة رحمة مستمدة من ذاك الدين الذي نجيد تكرار أسمه .. ولا نجيد العمل به .
نعم فخر بتلك المرأة التي تحملت مسؤوليتهـــا كاملة كأم ..
ويوم أن دعت الحاجة أن تسد غياب الأب .. سدته بعطفها وحنانها .. وبمساندة قوة الأمومة التي لا تضاهيها قوة .
لا تحزني يا امرأة ... فالعيب ليس عيبكِ .. والذنب ليس ذنبكِ .. بل هو ذنب ذاك الرجل الذي تخلى عن مسؤولياته تجاهكِ وتجاه أطفالكِ .. وإن كانت الظروف هي من أجبرته . فالذنب هو ذنب مجتمعكِ .. ذلك المجتمع الذي كان من واجبه أن يساندكِ ويساعدكِ أو على الأقل يحترمكِ ويقدرك ويفتخر بكِ .. لا أن يقلل من أنوثتكِ وحياءكِ وخجلكِ .
أفتخر بكِ يا امرأة في كل حالاتكِ .. وأفتخر بكِ أكثر عندمـــا تكونين على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقك .
ليت بعض الرجال يتعلمون منكِ معنى المسؤولية و الإلتزام ..
ليت بعض الرجال يدركون أنكِ خيرٌ من ألفِ رجل ..
ليت هذا المجتمع ينصفك ...
فو الله ما تأخرنـــا عن العالم ، إلا لأن الرجال وحدهم هم صناع القرار .
وداعــاً يا امرأة ..
على أمل أن ألقاكِ في ظروف أفضل وفي بيئة أصح من هذه البيئة .
منـقوـول